أبي عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني
مقدمة 6
الوجوه والنظائر لالفاظ كتاب الله العزيز
والقرآن الكريم يلقى أضواء على حياة الإنسان في مختلف جوانبها ، وينظّم العلاقات العامّة والخاصّة بين الأفراد والجماعات ، وبين الناس وخالق النّاس ؛ فكان لهذا كلّه موضع عناية المسلمين منذ نزل على قلب النّبىّ الأمين - بالحفظ والإتقان ، والتدبّر والتعقّل ؛ فحفظه من الصّحابة في عهد الرّسول الكريم جماعة ؛ فنقشوه على الحجارة ، وكتبوه على الجلود واللّخاف والعسب « 1 » ، وعارضه جبريل مع النّبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - مرّتين في السّنة الأخيرة قبل أن يلحق بالرّفيق الأعلى ، وجمعه الصّحابة في عهد أبى بكر الصّدّيق ، وكتبوه في عصر عثمان بخطّ يعرف لدى المسلمين بخطّ المصحف العثمانىّ - وكان على رأس الحفّاظ الخلفاء الأربعة ؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ - رضى اللّه عنهم - وكان من أقرأ الصّحابة للقرآن الكريم بعد الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - زيد بن ثابت . وكان عبد اللّه بن مسعود حبر الأمّة وعالمها يلقّب بترجمان القرآن . ومع ما كان عليه هؤلاء الصّحابة من الحفظ والإتقان ، وما كانوا يتمتّعون به من بصيرة نافذة في إدراك معانيه ، وفهم أساليبه - كانوا شديدي التّحرّز من الإسراع بالفتوى ، أو تفسير شئ من القرآن الكريم . فهذا عمر بن الخطّاب - رضى اللّه عنه - حينما قرأ قوله تعالى : وَفاكِهَةً وَأَبًّا « 2 » على المنبر ، قال : هذه الفاكهة قد عرفناها . . فما الأبّ ؟ بل إنّ عبد اللّه بن عبّاس - الذي لا يكاد يخلو مصنّف من كتب الأمّهات والموسوعات في تفسير القرآن الكريم من فيض علمه - يقول : كنت لا أدرى ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 3 » حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : « أنا فطرتها » . - فعلمها عبد اللّه بن عباس .
--> ( 1 ) اللخاف : حجارة بيض عريضة رقاق ، واحدتها : لخفة . والعسيب : جريد النخل إذا نحّى عنه خوصه : ( اللسان - مادة : لخف ، عسب ) . ( 2 ) سورة عبس / 31 . ( 3 ) سورة الأنعام / 14 .